محمد جواد مغنية

78

في ظلال نهج البلاغة

تصرفاته وأحكامه . . . وفي كل حكومة عصرية نظام للتفتيش ، ودائرة خاصة به . ( افسح له في البذل ) . سمع النبي ( ص ) رجلا يقول : اللهم إني أسألك الصبر . فقال له : « لقد سألت اللَّه البلاء ، فاسأله العافية » . ومن العافية أن يكون لديك نفقة كافية ، وكان الإمام يقول في دعائه : « اللهم ارزقني رزقا حلالا يكفيني . . . ولا تبتلني بفقر أشقى به » . وأعظم أنواع الشقاء معصية اللَّه ، والفقر يؤدي إليها ، قال نبي الرحمة ( ص ) : « كاد الفقر يكون كفرا » أي يجر إلى الكفر . وروي هذا الحديث عن كتاب « الجامع الصغير » للسيوطي . ومن هنا أمر الإمام بتأمين وسائل الحياة الكريمة للقضاة وللجند أيضا كما تقدم كي لا يكون لواحد منهم عذر يتعلل به ، والى هذا أشار الإمام بقوله : « ما يزيل علته » . وعليه العديد من الحكومات . ويقال : ان القاضي في بعض البلدان الغربية لا يحدد راتبه ، وان الحكومة تقوم بجميع تكاليفه ونفقاته بالغة ما بلغت . . . ومن طلب أكثر من حاجته وحاجة عياله فإن الكون بما فيه لا يرويه ولا يكفيه . ( واعطه من المنزلة إلخ ) . . . ارفع من شأن القاضي العالم العفيف تقديرا للعلم والخلق الكريم ، لا لذات الشخص ومنصبه ( وليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك ) . إذا رأى الناس منك الاحترام والإكبار للقاضي هابوه وأطاعوه ، وكفوا ألسنتهم عن السعاية ضده عندك ( فإن هذا الدين قد كان أسيرا في أيدي الأشرار إلخ ) . . . قال ابن أبي الحديد : « هذه إشارة إلى قضاة عثمان وحكامه ، وانهم لم يكونوا يقضون بالحق ، بل بالهوى لطلب الدنيا » . وبعد ، فلا عدالة بلا قوة ، والقوة بلا عدالة فساد واستبداد ، والقضاة للعدل والجند للقوة ، يدافع هؤلاء عن الكيان ، وأولئك عن الحقوق ، وكل منهما جزء متمم للآخر ، ولا تستقيم الحياة الكريمة إلا بهما معا ، وأي نقص وخلل في واحد منهما فهو نقص في حياة الشعب والأمة ، ولكي نتقي هذا الخلل والفساد فعلينا أن نوفر وسائل العيش الكافي الوافي لكل قاض وجندي ، ولا يحق لأي مواطن أن يستمتع بالرفاهية على حساب الأمة وحياتها وقوتها .